عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

285

اللباب في علوم الكتاب

« وَإِذا قِيلَ لَهُمْ » : يعني اليهود . « آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ » : أي بكل ما أنزل اللّه ، والقائلون بالعموم احتجّوا بهذه الآية على أن لفظة « ما » بمعنى « الذي » تفيد العموم ، قالوا : لأن اللّه - تعالى - أمرهم أن يؤمنوا بما أنزل اللّه ، فلما آمنوا بالبعض دون البعض ذمهم على ذلك ، ولولا أنّ لفظة « ما » تفيد العموم لما حسن هذا الذم ، ثم إنه - تعالى - أمرهم بذلك « قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا » يعني : التوراة وكتب سائر الأنبياء الذين أتوا بتقرير شرع موسى - عليه السلام - ثم أخبر اللّه - تعالى - عنهم أنهم يكفرون بما وراءه ، وهو الإنجيل والقرآن ، وأورد هذه الحكاية عنهم على سبيل الذّم لهم ، وذلك أنه لا يجوز أن يقال لهم : آمنوا بما أنزل اللّه إلّا ولهم طريق إلى أن يعرفوا كونه منزلا من عند اللّه ، وإلّا كان ذلك تكليف ما لا يطاق ، وإذ أول الدليل على كونه منزلا من عند اللّه وجب الإيمان به ، فإيمانهم بالبعض دون البعض تناقض ، ويجاب بوجهين : أحدهما : أن العموم إنما استفيد من عموم العلّة ، وهو كونه من عند اللّه ؛ لأن كلّ ما أنزله اللّه يجب الإيمان بكونه منزلا من عند اللّه لا لكون « ما » يقتضي العموم . الثاني : أنا لا نمنع أن « ما » استعمل للعموم ؛ لأن ذلك مجال لا خلاف فيه ، وإنما الخلاف في كونها هل هي موضوعة للعموم أو لا ؟ فالقائل بأنها ليست موضوعة للعموم أنها إنما استعملت للعموم مجازا هاهنا . فإن قيل : الأصل في الاستعمال الحقيقة . فالجواب : أنها لو كانت للعموم حقيقة لما جاز إدخال لفظة « كل » عليها . فإن قيل : إنما دخلت « كلّ » للتوكيد . فالجواب : أن أصل المؤكّد يأتي بعد ما يؤكده لا قبله . قوله : « وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ » يجوز في هذه الجملة وجهان : أحدهما : أن تكون [ استئنافية استؤنفت ] « 1 » للإخبار بأنهم يكفرون بما عدا التّوراة ، فلا محل لها من الإعراب . والثاني : أن تكون خبرا لمبتدأ محذوف ، أي : وهم يكفرون ، والجملة في محلّ نصب على الحال ، والعامل فيها « قالوا » ، أي قالوا : نؤمن حال كونهم كافرين بكذا ، ولا يجوز أن يكون العامل فيها « نؤمن » .

--> ( 1 ) في أ : استفهامية لا .